السياق التاريخي
إن العلاقات بين الجزائر وتونس متجذرة في أعماق التاريخ، حيث كانت ولا تزال تكتسي طابعا خاصا واستثنائيا فرضته الوحدة التاريخية والثقافية والدينية والجغرافية وكذا المصير المشترك للدولتين. كما أن روابط الأخوة بين الشعبين الجزائري والتونسي التي صقلتها على مر العصور العديد من ملاحم النضال المشتركة والكثير من المحطات المشرّفة للبناء والتآزر والتعاضد، تعتبر إحدى الروافد والمقومات الأساسية لهذه العلاقات المتميزة.
يخبرنا التاريخ المشترك للبلدين أن هذا التقارب والانصهار الجزائري التونسي يعود إلى أزمنة بعيدة، حيث كانت العلاقات بين قبائل المنطقة متشابكة والامتدادات الإنسانية قوية والتبادلات كثيفة.
بعد دخول الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830، تصدى له الجزائريون عبر مقاومات شعبية باسلة وعارمة، فوجدوا في إخوتهم التونسيين نعم السند ونعم الجار، كما تحولت تونس إلى ملاذ لهم ومركزا لطلب العلم، خاصة في جامع الزيتونة، وهذا أمام سياسة التجهيل الاستعمارية المنتهجة في الجزائر في تلك الفترة.
وجاءت الثورة التحريرية الجزائرية المجيدة لتصبح بدورها مرجعا للتعاون الجزائري التونسي في رفض ومقاومة الاستعمار الذي كان جاثما فوق أراضيهما معا، حيث كانت أرض تونس قاعدة خلفية للثورة الجزائرية، إذ احتضنت مقر الحكومة المؤقتة الجزائرية وكذا قيادة أركان جيش التحرير الوطني، بالإضافة إلى فريق كرة القدم لجبهة التحرير الوطني والاتحاد العام للعمال الجزائريين، فضلا عن مراكز تدريب الثوار الجزائريين.
كما كانت أحداث ساقية سيدي يوسف الخالدة، في 8 فيفري 1958، بمثابة ملحمة بطولية غير قابلة للنسيان، امتزجت فيها دماء الشعبين الجزائري والتونسي، ووجهت رسالة قوية للمستعمر الغاشم مفادها أنه لا مكان له في أرض اتفق فيها الأخوة في البلدين على رفض كل أنواع الاستعباد والاستدمار.
مباشرة بعد استقلالها سنة 1962، وفي خضم مرحلة البناء والتشييد، اختارت الجزائر الفتية والمستقلة أن تكون جارتها تونس، أول دولة يتم توقيع اتفاقيات تعاون معها، وهو ما تجسد على الخصوص في الإمضاء على اتفاقية التوطين واتفاقية التعاون القضائي سنة 1963.
ثم توسعت وتنوعت أشكال وآليات التعاون الثنائي حتى أصبحت تغطي كل المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها، تمت هيكلتها عبر أكثر من 100 اتفاقية ثنائية وأكثر من 20 لجنة قطاعية وفنية.
